ابن قيم الجوزية
474
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
كيف اعترف بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أوّلهم إلى آخرهم ، وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند اللّه ، ومخالفة صريح العقل في أنّ الخالق العالم سبحانه مريد مختار ، ما شاء كان بمشيئته ، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته ، وأنه ليس في الكون شيء حاصل بدون مشيئته البتة ، فأقرّ على نفسه أنه لا خلاص له في تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل القائلين بأنّ اللّه لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ولا أوجد العالم بعد عدمه ، ولا يفنيه بعد إيجاده وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته ، فلم يكن مختارا مريدا للعالم ، وليس عنده إلا هذا القول ، أو قول الجبرية منكري الأسباب والحكم والتعليل ، أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل ، وأوجبوا رعاية مصالح ، شبّهوا فيها الخالق بالمخلوق ، وجعلوا له بعقولهم شريعة ، أوجبوا عليه فيها ، وحرموا ، وحجروا عليه . فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره ، وتتقاذف به أمواجها تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح الشديدة ، والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من هذه الأقوال ، لمنافاتها العقل والنقل والفطرة ، والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة في الأيام ، أضلّ اللّه عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة ، وهداهم إليه كما قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الجمعة : « أضلّ اللّه عنها من كان قبلنا فاليوم لنا ، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى » « 1 » ، ونحن هكذا نقول بحمد اللّه ومنّه القول الوسط الصواب لنا ، وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسل ، وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية ، وإنكار عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه ، من محبته وكراهته وموجب حمده ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية ، ونحن نبرأ إلى
--> ( 1 ) هذا القول مأخوذ من حديثين ، الأول : رواه مسلم ( 856 ) عن أبي هريرة وحذيفة ، والآخر : رواه البخاري ( 876 ) ، ومسلم ( 855 ) عن أبي هريرة .